من النّادر أن تتعدّى شهرة رجل إقتصاد حدود إختصاصه . كما أنّه من النّادر أن يكون رجل إقتصاد في الوقت نفسه عالم إجتماع ، ودبلوماسيا و أستاذا كذلك .
ولا شكّ أنّ إجتماع هذه الصّفات هو الّذي جعل من جون كينيث جالبرايث أحد أكبر منظّري المجتمع الصّناعي ، مجتمع الوفرة والإستهلاك . لقد قام جالبرايث بتحليل الرّأسماليّة الإحتكاريّة في عصر المجتمع الصّناعي الذي يطلق عليه ''مجتمع الوفرة'' أو ''مجتمع الإستهلاك''.
ولد جالبرايث ، سنة 1908 بكندا، واشتغل أستاذا للإقتصاد السياسي بجامعة هارفرد، ومستشارا بالبيت الأبيض ، وسفيرا للولايات المتحدة بالهند في عهد ج.ف.كينيدي ، كما أنّه ألّف العديد من الكتب الهامّة في مجال الإقتصاد . ومن أشهر هذه المؤلّفات كتاب ''الدّولة الصّناعيّة الجديدة'' الّذي ألّفه في العام 1966 . توفّي جالبرايث في العام 2006 ، بمدينة كامبردج الأمريكيّة .
قوانين مجتمع الوفرة :
تسعى أبحاث جالبرايث إلى تحليل الأشكال الجديدة للمجتمع الأمريكي ، بإعتباره مجتمع وفرة . ومع ذلك فإنّها تتجاوز كثيرا إطار هذ البلد لكون أغلب الدّول الصّناعية ترتبط بالإقتصاد الأمريكي ، أو تشترك معه في نفس الخاصيّات .
وقد درس جالبرايث بالأساس تطوّر و مكانة المقاولات الصّناعية الكبرى في الإقتصاد الحديث .
وبالنّسبة إليه ، فإنّ النّظام الذي تهيمن عليه هذه الشّركات يتّسم بوصول طبقة إجتماعيّة جديدة مكوّنة من التّقنيين ، إلى مراكز المراقبة والتّسيير .
وهذه الطّبقة الجديدة هي نتاج البعد الجديد لهذه الشّركات ، إذ لم يعد بالإمكان تسيير الشّركة الدّوليّة الكبيرة من قبل رجل واحد، بل أصبح ذلك يتطلّب مجموعة من الأشخاص القادرين على إستعمال التكنولوجيا على أفضل وجه .
وهكذا إنتقلت -حسب جالبرايث- السّلطة الإقتصاديّة من يد الرأسمال إلى يد ''الذّكاء المنظّم'' .
![]() |
| إنّ تحليلات الإقتصاديّ جون كينيث جالبرايث للمجتمع الصناعي قد قلبت الأفكار الّتي تبنّاعا العالم الغربيّ منذ بداية القرن |
إنّ القرار الذي كان ينفرد به المشغّل ، أصبح اليوم في يد مجموعات تتولّى التّخطيط وتقييم المعلومات التي يزوّد بها العديد من الأفراد . وهو بذلك يتجاوز بكثير حدود معارف كلّ فرد . وقد خلص جالبرايث إلى أنّ هذه ''البنية التّقنيّة'' لا يمكن أن تعطي لنفسها هدفا رئيسيا مثل الرّبح .
فدورها الإجتماعي هو دور بارز مادام يمثّل مصدرا مستمرّا للإبتكار .
وإذا كانت الرّأسماليّة في بداية القرن العشرين ، لا تتوخى سوى هدف واحد يتجلّى في تحقيقي أكبر ربح ممكن بأقلّ كلقة ممكنة ، وبأقلّ مخاطر ممكنة ، فإنّ المجتمع التّكنوجولي الجديد لا يمكنه أن ينمو إلّا إذا تكفّلت الدّولة بضمان الإستقرار الإقتصاديّ ، وعملت على تجنّب التّقلّبات .
إضافة إلى ذلك فإنّ على الدّولة أن تخطّط للطّلب الإجماليّ ، وأن تؤثّر على المستهلك لتحسيسه بمتطلّبات الّصناعة .
العواقب الإجماليّة :
في ضوء هذه الرّؤى ، أعاد جالبرايث دراسة القوانين الكبرى للإقتصاد اللّيبرالي ، و من أبرز و أهمّ الرّؤى الّتي ميّزت فكر جالبريث ، تصريحه ، أنّ أحد أبرز قوانين الإقتصاد الليبرالي ، ألا وهو قانون العرض والطّلب ، لم يعد ساري المفعول .
ذلك أنّ الأسواق لم تعد بالفعل ناتجة عن هذه المواجهة بين العرض والطّلب ، إذ عليها أن تواكب اليوم متطلّبات تجديد مستمرّ ، وفي هذا المستوى تتدخّل مفاهيم دراسة السّوق (الماركتينج) والإشهار .
ففي القديم ، كان الصّناعيون يخاطبون المسؤولين عن التّسويق بقولهم : ''هذا ما أنتجناه ، وعليكم أن تتدبّروا أمركم لبيعه '' .
أمّا اليوم ، فيقول التّجاريون للمهندسين : ''هذا ما يجب عليكم أن تخترعوا في الاشهر أو السّنوات المقبلة ''.
وبعبارة أخرى ، فإن المتخصّصين في مجال دراسة السّوق ، يحلّلون إمكانات بيع منتوج ما ، وتبعا للّنتائج الإجابيّة للعمليّات الإحصائيّة يقومون بتحديد الحاجة الّتي يجب خلقها .
وهكذا تتكلّف الوكالات الإشهاريّة ،عن طريق العمليّات الإشهاريّة الصّاخبة ، بجعل المستهلكين في حالة إستعداد دائم لشراء منتوج يستجيب لحاجة مصطنعة .
إنّه إذن إخضاع للمتسهلك الّذي تكون المقاولات الكبرى قد قامت بتأثير جذريّ على ميوله .
ووعيا بالطّابع اللّاأخلاقيّ الّذي يمثّله هذا التّطوّر، فإنّ جالبرايث يذهب إلى أبعد من ذلك . إذ أنّه يعتبر أنّ التّصدّي لهذ الإحتكار الذي يثقل به النّظام الصّناعي كاهل المجتمع بصفة عامّة يعدّ أمرا واجبا .
تعاليم جالبرايث :
إهتمّ جالبرايث إذن عن كثب ، بالقوانين الجديدة الّتي تتحكّم في الأسواق . بل أنّه عكف ايضا على دراسة تركيب الإنتاج الوطنيّ الإجمالي للبلدان التمقدّمة ، وخاصة الولايات المتّحدة الأمريكيّة .
ذلك أنّه إلى حدّا الآن ، لم يكن الإهتمام منصبّا إلّا على قيمته الكلّية -بالنّقد - . ولم يكن أحد يتساءل عن مختلف العناصر الّتي كانت تدخل في تكوينه .
ولهذا ، يعتبر غالبرايث مناصر لسياسة مجموع المداخيل والأسعار ، وهو في هذا يعارض الإقتصاديين النّقدويين -ميلتون فريدمان-لأنّه يقترح موقفا إقتصاديا براغماتيا : ''أترك الأمر للسّوق حينما يكون ذلك ممكنا ، وادفع الدّولة إلى التّدخّل بدون مركّب نقص ، حين لا يكون بد من ذلك '' .
ولإمتصاص الأزمة ، يوصي جالبرايث ، بتخفيض مداخيل وإستهلاك الفئات الأكثر يسرا عن طريق فرض ضريبة تصاعديّة على الدّخل ، وفرض مكوس مرتفعة على المنتوجات الكماليّة على التّركات .
ذلك أنّ الضّريبة حسب جالبرايث ، يجب أن تمثّل الأداة لإحلال التّوازن بين العرض والطّلب ، مع الإقرار بوجود بطالة حقيقية مقنعة .
ولمواجهة هذه الوضعيّة ، يرى جالبرايث أنّه من الممكن تكليف العاطلين باشغال عديمة الجدوى ، لتمكينهم من الحصول على دخل معيّن .
وذلك بالفعل ما عمدت إليه الحكومة المؤقّتة للجمهوريّة الفرنسيّة سنة 1848 ، حين أنشأت ما يسمّى بـالأوراش الوطنيّة .
ويعتقد جالبرايث أنّ إجراءات مماثلة تتمّ في عصرنا هذا ، لكن بطريقة مختلفة .
مادامت هناك منتجات عديمة النّفع تشغّل الكثير من اليد العاملة .
إنّ ما يندّد به جالبرايث ، في حقيقة الأمر ، هو حضارة الجادجيت Gadget civilisation ، وهي حضارة تتميّز بالخصوص بكونها تنتج عددا كبيرا من الأشياء الّتي لا تستعمل لتلبية حاجيات حقيقية .
يتعلّق الأمر في الواقع بتلبية حاجيات مصطنعة ، تمّ خلقها لدى الأفراد بواسطة الإشهار .
بمعنى أنّ وسائل الإعلام هي الّتي تمثّل دعائم الإختيار .
![]() |
| مصنع نيسان للسّياّرات باليابان لقد أصبحت السّيّارة أحد رموز حضارة الجادجيت الّتي يندّد بها جالبرايث |
وهكذا - حسب جالبرايث دائما - فإنّ الملايين من العمّال يتمّ تشغيلهم لإنتاج أشياء عديمة الفائدة ، في الوقت الذي لا تحاول فيه الدّولة إنهاء هذه الوضعيّة ، مادام هذه الوضعيّة تمكّن من امتصاص و استيعاب اليد العاملة .
ومن حيث المبدأ ، فإنّ تحليل جالبرايث ، وإن كان قابلا للإنتقاد ، يمثّل هجمة على إقتصاد الإنتاج من أجل الإنتاج ، في مقابل إقتصاد يكون في خدمة الحاجيات الحقيقية للإنسان لضمان سعادته .



0 تعليقات:
إرسال تعليق